05 ديسمبر, 2019


رسالة لأهل ألف بوسط.. أمن المغرب أكبر أن يهدم

رسالة لأهل ألف بوسط.. أمن المغرب أكبر أن يهدم

ماروك تلغراف

لا ينهار الأمن وإنما تنهار القيم ويتراجع منسوب الأخلاق. فالأمن نعمة جماعية وحق دستوري وإحساس ذاتي قبل أن يكون مرفقا ومؤسسة عمومية، قابلة للتقويض الافتراضي في افتتاحيات مأجورة مدفوعة الحساب نقدا وعينا، يتولى فيها المولى تصريف رسائل مولاه، ويردد فيها كلامه غير المباح، في انهيار صارخ للقيم على مذبح فاتورات الفنادق والجامعات في لندن وغيرها.

فالجريمة لم تكن يوما مرادفا لانهيار الأمن، لأنها وليدة تفاعل عوامل حية عديدة في سائر المجتمعات، كما أنها ليست مرادفا للتشرميل كظاهرة مجتمعية أفرزها سياق مغربي خاص، وهي أيضا تختلف عن الإحساس بالخوف أو الشعور بانعدام الأمن، سواء في الدوافع والخلفيات أو النتائج. ومع كل الفوارق والتباينات الموجودة، إلا أن افتتاحية “كاري حنكو” أمعنت في الخلط بين كل هذه الظواهر المجتمعية والنفسية والقانونية، لسبب بسيط مرده أن المحرر إنما كان يجتر أفكار غيره، ويلوك بلسانه قاموس مولاه، علّه يقدم بعض المقابل لما يتلقاه وكريمته من أموال في عاصمة الضباب.

وهنا، لابد من تذكير صاحب الافتتاحية ومن يهمس في (جيبه) وأذنه بأن الإحساس بالخوف أو بانعدام الأمن لا تتحكم فيه دائما اعتبارات عقلانية وموضوعية، فقد يكون مبالغا فيه أو قد يصبح مرضيا. وحول هذا الموضوع يقول أمين معلوف ( بتصرف) “في الوقت الذي يخيم فيه الخوف على الساكنة، فإن واقع الخوف هو الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار أكثر من حقيقة التهديد”.

أما ظاهرة التشرميل فلم تكن يوما ذات أبعاد ولا ملامح سياسية، مثلما يزعم صاحب الافتتاحية. فقد برزت الظاهرة منذ سنوات قليلة خلت مع حملات إعلامية ممنهجة تحت اسم ” التشرميل 1و 2″ و “زيرو كريساج 1و2″، وشكلت حينها موضوع دراسات أمنية واجتماعية ونفسية، خلصت إلى أن الأمر لا يتعلق بظاهرة إجرامية مستجدة، أو بتحول نوعي في “بروفايل” الجناة، أو تطور مفصلي في الأساليب الإجرامية المعتمدة من قبل مرتكبي الجريمة، وإنما تجلت حقيقة الظاهرة في كونها “سلوكات منحرفة لمجموعة من الشباب، حاولوا التميز بمظهر معين لاستمالة الإعجاب، ووجدوا في صور الجريمة، وحمل الأسلحة البيضاء وسيلة للتخاطب والتدوين في منصات التواصل الاجتماعي”.

أما الجريمة فهي، بخلاف كل ما سبق، واقع مادي ملموس يُقاس، حجما وكمّا، ويتم تقديرها بأرقام ومؤشرات ومعطيات إحصائية، بينما الإحساس بالأمن فهو شعور شخصي/ذاتي لا يخضع للمعايير الموضوعية، وإنما يحتاج إلى مقاربات ومخططات عمل ميدانية لتوطيده وتدعيمه. وبالتالي فإن القول بارتفاع الجريمة دون استقراء للإحصائيات، ودونما مقارنة بين السنوات المتعاقبة والظروف الاجتماعية والاقتصادية الملابسة، فإنما سيكون هذا القول حشوا ولغوا أكثر منه تحليلا، وسيكون أقرب إلى التجني والافتراء الذي يتم تعليبه في افتتاحية مدفوعة الثمن مسبقا، مبتغاها الكذب على الرأي العام، وتأجيج حالات الخوف والارتياب المقصودة.

وختاما لابد من فتح قوس لتذكير ناشر الافتتاحية المعلومة، بأن نفحات الجنيه الاسترليني تفوح من ثنايا الكلمات المستخدمة، وتسيل مع مداد كل فكرة تم تصريفها، خصوصا وأن كريمته مقبلة على الدراسة في لندن، حيث تكاليف الإعاشة والدارسة باهظة، لا يستطيع سدادها بمفرده دونما الرجوع لصديقه ” المنبوذ” حسب عنوان مذكراته السابقة.

وإمعانا في التذكير، صراحة لا تلميحا، إن الأمن شأن بعيد عن كاتب الافتتاحية ومن يدلف في جيبه الأموال بالعملة الصعبة، وليس هو الذي ينهار وإنما تنهار أخلاق من يستأجر رحمه لنطفة مشوهة تتدفق من أطماع مجهضة.

www.maroctelegraph.com

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض