11 ديسمبر, 2018


مغاربة وجدوا في اسطنبول موطنا للتجارة والزواج والاستقرار

مغاربة وجدوا في اسطنبول موطنا للتجارة والزواج والاستقرار

اسطنبول: صلاح الكومري

إسطنبول التركية، مدينة العشاق، أو مدينة الألعاب، أو مدينة المآذن، كل يصفها على هواه، الأهم أنها محافظة على هويتها، لكن في الواقع هي مدينة متعددة الثقافات، كيف لا وهي التي تستقبل أسبوعيا ملايين السياح من مختلف بقاع الأرض على مدار السنة، وأكثر من ذلك، فإنها تستضيف مئات الجنسيات من مختلف الأديان، يقيمون على أرضها، أسيويين، أفارقة، أوروبيين، لاتينيين، وآلاف المغاربة اختاروا هذه الأرض البيزنطية موطنا لهم بحثا عن لقمة العيش، منهم من يقيم بصفة قانونية، ومنهم من يعتبر مهاجرا غير شرعيا.

محمد: في اسطنبول وجدت ضالتي

محمد، شاب مغربي في منتصف العشرينات، نحيف، طويل القامة، اختار المنطقة التجارية “كاراكوي”، حيث مضيق البوسفور، الفاصل بين قارتي آسيا وأوروبا، للاستقرار والتجارة في الحلي النسائية، يبدو سعيدا بمقامه في أرض العثمانيين، يتحدث اللغة التركية بطلاقة، مظهره وأناقته توحي أنه تركي أبا عن جد، وليس مغربيا ابن حي لالة مريم بمدينة الدار البيضاء.

ما إن لمحنا محمد نمر من أمام محله التجاري نتحدث الدارجة، في ليلة باردة ممطرة، حتى قفز من مكانه وجاء إلينا مسرعا، كأنه رأى فينا الحنين إلى الوطن، بادر يسألنا والابتسامة تعلوا محياه: “مرحبا بالخوت.. شنو خصكم”، ولسان حاله يقول: “لقد اشتقت إلى رائحة الوطن، استقت إلى عائلتي وإخوتي، أنا أشم فيكم رائحتهم جميعا”، ثم أضاف: “هل أخدمكم في شيء”، وراح يستعرض لنا حكاية مجيئه إلى اسطنبول قبل نحو سنة ونصف بعد أن عاد إلى المغرب من فرنسا، حيث كان مهاجرا سريا.

يقول محمد: “بعد أن أعادتني السلطات الفرنسية إلى المغرب، قررت، مباشرة، البحث عن وجهة أخرى، ولم أجد خيرا من تركيا، حيث الحركة التجارية رائجة بشكل كبير.. اخترت التجارة في الحلي النسائية لأن مهنتي الأصلية هي صائغ ذهب (ذهايبي)، في الظرفية الحالية، أكتري محلا صغيرا أزاول فيه تجارتي، وإن شاء الله بعد أن أسوي وضعيتي القانونية، من الممكن أن أطور تجارتي للأفضل، لقد وجدت هنا ما كنت أفتقده”.

من أجل توفير لقمة العيش، ومجاراة نظام الحياة في إسطنبول، لا يكتف محمد بتجارته في الحلي النسائية، بل إنه، أحيانا، يعمل مع بعض وكالات الأسفار التركية كمرشد سياحي، يستقبل السياح المغاربة في مطار “أتاتورك”، ويسهر على تنقلهم إلى الفنادق وجولاتهم السياحية طيلة مقامهم في اسطنبول.

مغربيات اخترن الزواج بأتراك

رجاء، شابة مغربية في بداية الثلاثين من عمرها، تنحدر من منطقة عبدة دكالة، تدير مع زوجها التركي محلا لبيع الملابس النسائية العربية في منطقة “أكساراي”، تجلس هادئة مطمئنة لقبض ثمن المشتريات من الزبائن، بينما يتكفل زوجها بالترويج لسلعتهما واستقطاب المشترين والمعاملات مع باقي التجار.

يقول زوج رجاء، وقد ظهر أنه تعلم قليلا التكلم بالدارجة المغربية: “نستقر في تركيا، لكننا نسافر مرتين أو ثلاثة إلى المغرب لأغراض تجارية”، يضيف وهو يمدح زوجته: “لقد جعلني أحب الأكل المغربي.. إنها طباخة ماهرة.. تطبخ الكسكس.. الطاجين.. في بعض الأحيان تطبع أكلا لذيذا جدا، لكن أحيانا أخرى تكون النتائج سلبية.. قيل لي إن في المغرب هناك مثال يقول إن عبدة جراحة الكبدة.. هل هذا صحيح؟”.

تقول رجاء إن الكثير من صديقاتها المغربيات اخترن بدورهن العيش في مدن مختلفة في تركيا، بعضهم يعملن موظفات في وكلات أسفار، وأخريات نادلات في مطاعم، وأخريات يعملن في تجارة الأقمشة، إضافة إلى أخريات متزوجات من سوريين أو لبنانيين يحملن الجنسية التركية، أما فئة أخرى فإنها تتسكع في شارع “الاستقلال” وساحة “التقسيم” والملاهي الليلية.

في هذا الإطار يقول زوج رجاء، إن له صديقا لبنانيا/تركيا، متزوج من ثلاث نساء، لبنانية وتركية ومغربية، وأن الأخيرة، هي الأقرب إليه، والأحب إلى والدته من زوجتيه اللبنانية والتركية، موضحا: “والدة صديقي فضلت أن تستقر في بيت زوجته المغربية ورفضت الاستقرار مع الأخريين.. لقد تآلفا مع بعضهما كثيرا.. تعتبر حماتها مثل والدتها، وهي أيضا تعتبرها مثل ابنتها”.

التجارة وسيلة البقاء والعبور

يقول سولير، مرشد سياحي تركي يتحدث الدارجة المغربية بطلاقة، إن عدد المهاجرين المغاربة في تركيا، ارتفع كثيرا في السنوات الأخيرة، بسبب التسهيلات التي تمنحها الحكومة التركية لبعض الدول العربية، وأن أغلبهم يأتي بهدف التجارة، ثم العبور إلى أوروبا عبر اليونان.

السوق المصري في منطقة “أمينونو”، والذي بني في عهد السلطان مراد الثالث سنة 1597، كان في الماضي حكرا على التجار المصريين والسوريين والأتراك، وفي السنوات الأخيرة وجد المغاربة موطئ قدم لهم به، منهم من يعمل لدى تجار أتراك أو سوريين، تنحصر مهمتهم في استقطاب الزبائن وإغرائهم بالسلعة وجودة المنتوج، ومنهم من يدير محلات بيع المقبلات والتوابل وحلويات الحلقوم، بشراكة مع تجار أتراك أو سوريين.

ما إن تلج السوق المصري، حتى يتهاطل إلى سمعك أصوات تجار بلغات شتى، مصرية، تركية، سورية، لبنانية، إنجليزية، يسوقون لسلعهم، ويحاولون استقطاب الزبائن لمحلاتهم، وبين البرهة والأخرى، تميز في هذه الضوضاء أصوات تجار مغاربة، يحاولون استقطاب الزوار المغاربة لهذا الفضاء الذي يعج بالحركية 24 ساعة على 24 ساعة.

“شنو خصكم.. مرحبا بيكم.. منين نتوما.. من الرباط ولا كازا… أجي أخويا.. ذوق بلا ما تشري”، هكذا يغري أحد التجار المغاربة مواطنيه السياح، يرتدي جلبابا مغربيا أصيلا، ويضع على رأسه طربوشا أحمر، مهمته استقطاب الزبائن بطريقة ودية، خاصة من تبدو على ملامحهم انتماءهم لدول المغرب العربي.

الأتراك يعرفون المغرب بـ”كازابلانكا”

معرفة الأتراك للمغرب محدود جدا، جهل يعزى لعوامل تاريخية، بحيث أن الإمبراطورية العثمانية حين أخضعت لنفوذها مجموعة من الدول العربية، في القرن السادس عشر، من بينها تونس والجزائر وليبيا، كان المغرب البلد الوحيد الذي استعصى على العثمانيين اخضاعه، لهذا تجد الأتراك اليوم، بالكاد يعرفون القليل عن المملكة.

الأتراك من هم في الخمسينات والأربعينات من عمرهم، يعرفون المغرب بـ”كازابلانكا”، ليس المدينة، بل الفيلم الذي أنتج في أربعينيات القرن الماضي، وحقق شهرة عالمية سنوات الثمانينيات، منهم من يفتخر بمشاهدته لهذا الفيلم في إحدى القاعات السينمائية بمدينة الدار البيضاء أو في باريس.

أوغلو، في الخمسيات من عمره، يملك مقهى شعبيا في حي “بلاط” العريق، يسألنا من أين أنتم، نجيبه إننا من المغرب، فيرد قائلا بابتهاج “آه..كازابلانكا”، ثم يبدأ في استعراض زيارته لمدينة الدار البيضاء، لمرة واحدة في حياته، منتصف في الثمانينيات، استغلها لمتابعة فيلم “كازابلانكا” في إحدى القاعات السينمائية، مضيفا أنه في شبابه كان يبيع أشرطة الأفلام السينمائية، وكان “كازابلانكا” من أكثر الأفلام طلبا للمشاهدة من لدن الأتراك.

لدى أوغلو حنين لمدينة الدار البيضاء، يتحدث عنها بإعجاب كبير وحسرة في الوقت نفسه، لأن الظروف لا تسمح له بزيارتها مرة ثانية، قال إن لديه الكثير من الأصدقاء التجار يسافرون إلى المغرب كل سنة، وأنه بدوره يتمنى أن يعود لزيارة المدينة، لربط الماضي بالحاضر.

www.maroctelegraph.com

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض