15 ديسمبر, 2018


بالدليل القاطع.. الحقيقة الكاملة وراء الادعاءات المرتبطة بوجود معتقلات سرية وممارسة التعذيب الممنهج على المدنيين في حضرموت باليمن

ماروك تلغراف
في يونيو من سنة 2011، فر أزيد من ستين سجينا ينتمون إلى القاعدة من سجن المكلا، عاصمة حضرموت. وخلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2014 فر حوالي 200 سجين من سجون يمنية مختلفة، أغلبهم من نفس التنظيم. ومع حلول سنة 2015، تغيرت قواعد اللعب في حضرموت بعد سيطرت تنظيم القاعدة على المكلا، فبدأت بالهجوم على السجون وتحرير سجنائها.

كيف استطاعت عناصر قليلة مسلحة تسليحا خفيفا هزيمة جيش بأكمله وتحرير عناصرها والسيطرة على أجهزة الدولة في حضرموت؟


محافظ حضرموت السابق، أحمد بن بريك، أكد أن عناصر إرهابية تابعة للقاعدة هجمت على سجن المكلا وقامت بإطلاق مجموعة من كبيرة من السجناء، من بينهم زعيمهم خالد بطرفي، الذي نصب نفسه حاكم للإمارة واستقر في القصر الجمهوري في المكلا.
بدوره أشار اللواء فرج البحسني إلى أن عناصر لا يتجاوز عددها المائة مقاتل هجمت على المحافظة، بتسهيل من قيادات عسكرية وأمنية تابعة للنظام السابق، المتعاونة هي الأخرى مع الحوثيين، بهدف عزل حضرموت عن اليمن وعن الشرعية، حيث جرى التنسيق مع القيادات العسكرية في حضرموت وتسليم المعسكرات والأسلحة ومراكز الشرطة للعناصر الإرهابية والتعاون معها؛ وقد تفاجأ سكان المناطق من دخول تلك العناصر دون أدنى مقاومة، رغم وجود مجموعة من الألوية في الساحل التي كانت تتوفر على السلاح وعلى الإمكانيات ما يمكنها من صد جيش بأكمل بله مجموعة من مسلحة.
عملية الهجوم على السجون طالت حوالي خمسة وأربعين سجنا موزعة على كل من صنعاء وعدن وحضرموت. القاضي شاكر بينش، رئيس النيابة العامة لمحافظة حضرموت أكد هو الآخر أن تنظيم “القاعدة” يعتبر النيابة العامة والمحاكم في حكم الطاغوت، ولا يرغب في وجود نيابة عامة ولا محاكم تنظر في القضايا وفق القانون الوضعي الذي يتعارض والشريعة الإسلامية.


أما القاضي رائد اردي، رئيس النيابة الجزائية في المكلا، فقال إن الهجوم أتى على جميع مبنى النيابة الجزائية المتخصصة في المكلا، وتدمير المكاتب وإحراق الملفات؛ ثم تلاها سيطرة التنظيم على حاضرة المكلا وجميع المديريات الساحلية في حضرموت، مما أدى إلى توقف العمل في النيابة الجزائية والمحاكم الجزائية المتخصصة.
ومع استتباب الأمر لها في المحافظة، أسست “القاعدة” نظام حكم خاص بها، وتنظيما عسكريا، وحصلت على حوالي أربعة ملايين دولار يوميا من مداخيل النفط والتجارة والموانئ. هذه الوضعية استدعت تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. ويقول القائد الميداني السابق، فرج البحسني، إن أول من طالب بالتحرير هم المواطنون في المكلا، لأنهم رأوا في العناصر الإرهابية خنقا لحرياتهم وقتلا لأبنائهم وتشريدا لهم ومنعا للجامعات وللمدارس من التدريس والاختلاط والاحتفالات والزواج وكل ما لهم علاقة بالحياة الطبيعية التي اعتادوا عليها. وأمام هذه المعطيات بدأ التفكير في التحرك ضمن التحالف الدولي من أجل التحرير، كما جرى خلق قوة عسكرية مدربة من أبناء حضرموت للاضطلاع بهذه المهمة، وهو ما تم بالفعل بدعم كبير وسخي من المملكة العربية السعودية ومن الإمارات العربية المتحدة.
فعلا قام التحالف الدولي بفتح جبهات مع العناصر التابعة لـ “القاعدة”، وهو ما توّج بدخول المدينة. محافظ حضرموت أشار إلى أنه “بعد دخول المدينة وقفنا على حجم الدمار الهائل، حيث جرى تهديم كل مرافق الشرطة ومرافق الدولة، ناهيك عن السجون التابعة لمراكز الشرطة، باختصار، لم يتبق شيء من حضور الدولة”. وارتكب تنظيم القاعدة الكثير من المجازر وقضى على كل مؤسسات الدولة؛ وأنشأ مراكز للاعتقال وسجون داخل وخارج المكلا. وعملت عناصر القاعدة على تخزين الكثير من الأسلحة ودفنها في أماكن من مختلفة.
ومع قرب نهاية المعارك، أكد اللواء فرج البحسني “أن عددا كبيرا من عناصر القاعدة خاضوا معركة قوية قتلوا خلالها عددا من الضباط الكبار؛ في المقابل من ذلك، هناك عناصر أخرى سلمت نفسها بعد محاصرتها؛ وهناك فئة ثالثة جرت ملاحقتها بعد الحصول على معلومات استخباراتية أدلى بها المواطنين؛ باختصار كل ما جرى على الأرض، جرى ضمن إطار قوة عسكرية منظمة ومدربة على التعامل مع تلك العناصر، وعلى اطلاع بالقانون الدولي والقانون الحربي”.


وقد استطاعت السلطات إلقاء القبض على مئات العناصر التابعة للقاعدة، لكنها ووجهت بمشكل غياب السجون بشكل كلي، فما كان من محافظ حضرموت إلا اللجوء إلى التحالف العربي من أجل إنشاء سجون داخل قاعدة “الريان” الجوية ومطار الريان الجوي، تحت إشراف التحالف، وهو ما جرى بالفعل وسجنت العناصر الإرهابية.
لكن عددا من الهيئات الحقوقية تطرقت إلى مواضيع من قبيل الاعتقالات التعسفية والسجون السرية وتعرض المعتقلين للتعذيب. نجيب خنبش، المستشار القانوني لمدينة حضرموت، أكد أنه “من الطبيعي أن يجري إلقاء القبض على المشتبه فيهم سواء أثناء المعركة أو بعدها، كما أن غياب الأجهزة القضائية يجعل من إصدار الأوامر بالاعتقال أمرا مستحيلا، وحتى المجمع القضائي في المكلا لم يُعد العمل فيه إلا بتاريخ يوليوز 2017، أي بعد ثلاثة أشهر على تحرير المكلا، وليس كمنظومة وإنما كمسمى فحسب، لأن المنظومة بالكامل لم تكن موجودة، فلا قضاة ولا أعضاء النيابة العامة، ولا حتى المباني لمباشرة الأعمال القضائية داخل أروقتها؛ أضف إلى ذلك أن النيابة الجزائية المختصة في قضايا الإرهاب لم تعمل إلا بعد أكثر من سنة بعد التحرير.
لم تكن عملية التحرير بالأمر الهين، فالقوات العسكرية، حسب فرج البحسني، حينما كانت تهاجم مجمعا سكنيا تتحصن فيه العناصر المسلحة، بطبيعة الحال كان هناك خطر على المدنيين، أضف إلى ذلك أن العناصر المسلحة داخل الأحياء كانت تقدم على إطلاق النار بطريقة عشوائية وهو ما يتسبب في سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين.
وتساءل خنبش بخصوص مزاعم الهيئات الحقوقية: “هل من المعقول عند اعتقال شخص يحمل حزاما ناسفا تركه يذهب؟ هل يجب ترك شخص كان يقاتل في أرض المعركة؟ أم هل يمكن ترك شخص عثر في بيته على مخزن من السلاح؟ بحجة أنه لا يوجد أمر من النيابة العامة.. كانت تلك مجرد إجراءات احترازية لحماية المجتمع نفسه من خطر مثل هؤلاء”.
الخبير القانوني والمحامي، إيمانويل روشات، أكد أن إمكانية إلقاء القبض على عناصر مسلحة في سياق يتسم بالحرب أمر معمول به قانونا، في حال وجود احتمال قيام تلك العناصر بارتكاب أفعال خطيرة أو الفرار قبل محاكمتها.


وبعد شهر من عملية التحرير، أي في بداية شهر رمضان، ارتكبت العناصر الإرهابية، حسب فرج البحسني، استهدفت ثلاث نقط وبوابة المعسكر مما أسفر عنه سقوط عدد كبير من الجنود فما كان من القوات النظامية إلا التعامل بجدية مع هذه التهديدات. غير أن وسائل الإعلام اليمنية والدولية تحدثت عن وجود معتقلات سرية، وهو ما أدى إلى تكوين لجنة ضمت حقوقيين ورجال قانون لتقصي الحقائق حول تلك الادعاءات. ويشير المستشار القانوني، نجيب خنبش، إلى أن اللجنة زارت تلك الأماكن، ومنها القصر الجمهوري، حيث جرى فتح مركز اعتقال مؤقت اقتيد له كل الأشخاص المشتبه فيهم والذين لم يكونوا يحملون بطائق هوية أو معهم سلاح، كل ذلك من أجل أخذ بياناتهم أو إحالتهم إلى سجن الريان في حال ثبت أنهم إرهابيون أو مشتبه فيه أو يفرج عنهم. وتمّت الزيارات الميدانية بناء على شهادات شهود ادعوا أنهم اقتيدوا إلى القصر الجمهوري أو إلى الربوة أو الظبة. نجيب خنبش قال إن تلك الأماكن لم تكن تعدو كونها نقط تجميع بيانات ومعلومات الأشخاص لا غير، كما أن مدة المكوث فيها لم تتجاوز ثلاثة أيام على أبعد تقدير، حسب ما صرح به الشهود للجنة.
وسبق ونشرت أسوشيايتد بريس تقريرا تطرقت فيه إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل سجن الريان، في المكلا، ومنها الاعتداءات الجنسية والحرق. لكن بعد جلوس اللجنة الحقوقية مع من قيل في التقرير إنهم تعرضوا لامتهان إنسانيتهم، ثبت لها أن ذلك مجرد ادعاءات لا غير. وردت أسوشيايتد بريس بالقول إن الشهود نفوا ذلك لخوفهم من الانتقام منهم.
المحامية والقانونية جولييت ريشير، من بروكسيل، أكدت أنه يصعب إثبات الشهادات المجهولة، رغم أنها تفهّت وجود عامل الخوف من الانتقام، لكن من وجهة النظر القانونية من الضروري معرفة هوية الشهود وبعد ذلك بإمكانه طلب توفير الاحتفاظ بسرية هويته.


ولقد حرصت اللجنة على تصوير مقاطع فيديو مع أشخاص قيل أنهم مروا من سجن الريان، لم تظهر عليهم أي آثار للتعذيب، حيث أكدوا أن وضعهم داخل السجن مستقر ولم يتعرضوا لأي ممارسات حاطة بآدميتهم، أضف إلى ذلك استفادتهم من التطبيب بشكل شبه يومي، دون الحديث عن النظافة والمطعم والملبس. وبخصوص تقديم تلك المقاطع المصورة كأدلة على كذب ادعاءات القائلين بوجود معتقلات سرية وممارسة التعذيب الممنهج على المعتقلين، أكد فرج البحسني أنها ما تزال في طور التحقيق، ولا يمكن لأي سلطة أو قوة عسكرية أن تكشفها في هذه المرحلة نظرا لخطورتها أمنيا، وأضاف أنها موجودة وبإمكان الدول التي لها علاقة بمحاربة الإرهاب الاطلاع عليها، لكن أضاف أن نشرها على نطاق واسع غير مرحب به.
وبعد الانتهاء من إعادة بناء السجن المركزي في حضرموت، انتهى الغرض الذي أنشئ من أجله سجن الريان، فنقل السجناء إليه وأغلق سجن الريان، كما جرى تسليم ملفات كل المعتقلين إلى الجهات المختصة، ومنهم المتهمون بقضايا الإرهاب، فقامت النيابة العامة بمتابعة المدانين وإطلاق سراح من ثبتت براءته. بدورها أكدت إدارة السجن المركزي استعدادها التعامل مع أي ادعاءات بحقها وأنها تتحمل المسؤولية في حال ثبت وجود أي اختلالات. ومن غريب الصدف أن عناصر “القاعدة”، حسب رئيس النيابة الجزائية، التي أقدمت على تدمير البنيات التحتية القضائية بعد إحكام سيطرتها على حضرموت، هي نفسها التي أحست بقيمة العدالة وبقيمة التحقيق بعد تحريرها من القوات العسكرية، وهو ما لمسته الهيئات القضائية في حضرموت أثناء الترافع والتحقيق.
حاليا يوجد كل المتهمين بقضايا الإرهاب داخل المركز السجني في المدينة، وتديره الشرطة المدنية تحت إشراف الدولة، ولا يوجد، حسب فرج البحسني، أي تدخل لدولة الإمارات العربية المتحدة في أمور من هذا القبيل، وهي ترى أن ذلك من اختصاص الشرطة اليمنية وهو أمر بسيط والسلطات اليمنية قادرة على الاضطلاع به. أما المحافظ السابق لحضرموت فقد ثمّن دور التحالف العربي الذي لولاه لما جرى تحرير المنطقة من “القاعدة”، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة التي كان من أولوية أولوياتها ليس السجن فحسب وإنما الإذاعة والجمارك والشرطة عن طريق توفير الآليات والمعدات، من أجل فرض هيبة الدولة وسلطتها تحت إشراف محافظ حضرموت رئيس اللجنة الأمنية.

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض