21 نوفمبر, 2018


العزيز الآخر الذي لا يودعنا

العزيز الآخر الذي لا يودعنا

عبد القادر الشاوي

لن أصدق أي شيء، ولو أنني أصدق، كما لو كنت أكذب على نفسي، أن عزيز قد ذهب إلى غير رجعة. أضع المصيبة التي حلت بالطائفة المتبقية في السؤال التالي: كيف يموت عزيز أصغرنا ونبقى نحن آخر المتبقين وقد بلغ الكبر ببعضنا مبلغا؟. إذا كان القدَر فهو أحمق كما قال الشاعر وَتَبِعَه المُغَني، إذْ مَالَكَ أيها القذِر لا تقيم وزنا للأمل؟ وإذا كان سَكَنُ الوجود في الكون لمدة معلومة فلماذا لا يُعلِمُ الموت بأي تاريخ للغياب؟.

لعله بالكاد أقفل هذه الأيام سنواته الستين، ولعله تصدى للمرض بيأس يسمونه الصبر، ولعله رأى صدره وهم يشقونه فلم يرتعب في هدوء تام ولم يَحْم دمه أبدا. كان هذا المناضل ربيب معاناة فلم يدخل في صراع ولم يَرْم غيره بالحجارة، ولعله أيضا مات على إيمانه القديم بأن العالم لا يستحق إلا السخرية… وَمَنْ وجد منكم بعد اليوم غير هذا فليُخبر فصيلتَه… ولكنني ما زلت إلى يومنا هذا، وقد تغيرت الجغرافيات وسقط التاريخ على الضحايا، أبْصِرُ ممشاه في تلك الساحة وهو على هدوئه المعهود كالبركان، يهمس بالأشياء الكثيرة التي كانت، على الدوام، مخبأة في صدره وتُساكن ضلوعه لا لِعَقْله عليها قيودا أو موانع. ولما أقفلَ شاربَه شفتيْه أيقنتُ، ولو على بعد، أنه بقي على ممشاه في جميع الساحات لا يحيد عن المسافات إلى أخر التأوهات المكتومة.

كان عزيز يكتب وكنت أضع فوق كتاباته الشذرية الرامزة صورا مبتدعة على قدر الخيال المشترك الذي جمعنا في زنزانة… هو الكاتب الشذري كَمْ تعلق بالحكمة وَخَطّها في الدفتر الصغير الذي لم يكن يفارق سخريته، وكم كنتُ أحار في قدرته على قلب المعاني فله فيها آيات. وها أنا اليوم أضع على صدر موته تعزيتي فيه وفي عشيرته الأولى وفي نفسي المكلومة ولا أصدِّقُني ولا أصدق أي شيء.

المناسبة القاسية هي هذه: مات عزيز، الذي في مبنى كُنْيَتِه معاني الرقة والرأفة والوفاء، بعد أن لم يجدوا في قلبه يوم (الفتح) الأليم إلا الصمت والسخرية وبعض الحنين. أقصد أنه ترك وراءنا إلى يوم النسيان سلالة ملذوعة، وخديجة مكلومة وبثينة مألومة.

www.maroctelegraph.com

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض