17 أكتوبر, 2018


عائشة العلوي تكتب عن: الثقة السياسية وتأثيرها الاقتصادي و الاجتماعي

عائشة العلوي تكتب عن: الثقة السياسية وتأثيرها الاقتصادي و الاجتماعي

د. عائشة العلوي*

من الخلاصات المتفق عليها في الدراسات و التحاليل الاقتصادية أن التنمية و التطور الاقتصادي يتأثر بعوامل خارج معادلته المباشرة؛ و مما لا شك فيه الدور الهام للثقة في التنمية الاقتصادية. يمكن تفسير ذلك من خلال المثالين التالين: المثال الأول الذي يجسد العلاقة بين المواطن/المستهلك و المنتج/المستثمر و المثال الثاني الذي يجسد العلاقة بين المواطن/الناخب و الحكومة و مؤسساتها و ممثليها /المنتخبة. في المثال الأول، لا يمكن إنجاح العلاقة و ضمان استمراريتها إلا بضوابط علمية محددة تبنى على الثقة في كل مراحل العلاقة الإنتاجية. لهذا تجد أن المسؤول عن العلاقات التجارية يسارع لتقديم اعتذار أو توضيح كلما تزعزع عامل الثقة، بل أحيانا يقدم استقالته كرسالة واضحة للمواطن/ المستهلك. في المثال الثاني، لا يمكن نجاح السياسات و الإجراءات الاقتصادية المصرّح عنها من طرف الحكومة دون مشاركة طوعية و فاعلة للمستهدف بهذه السياسات. حيث تُساهم الثقة بين المواطن والحكومة من جهة في تجاوز العقبات و الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية، و من جهة أخرى في تحقيق الأهداف العامة للتطور الاقتصادي و الاجتماعي. بل عامل الثقة بين المواطن و الحكومة يساهم في تسريع وثيرة التنمية الاقتصادية و البناء الديموقراطي و يمكن من خفض تكاليف المعاملات، والمرونة والقدرة على تحقيق التراكم الرأسمالي و الرفع من الكفاءة والفاعلية للموارد البشرية. بالمقابل، يؤدي ضعف الثقة إلى إثارة الشكوك حول جدوى و أهداف السياسات والإجراءات الحكومية، مما يحول دون انخراط و تعاون فعال للمواطن، بل يؤدي أحيانا إلى ضرورة استقالتها من أجل الصالح العام و البلد.

ما يربط المثالين هو أن المواطن في كلتا الوضعيتين (المستهلك أو الناخب) هو المستقبل/اللاقط للثقة و المنتج أو الحكومة هما المودع/الوادع لها. أية زعزعة للثقة يؤدي لا محالة إلى نفور و هيجان و عزوف و غيرها من السلوكيات المعبرة عن فقدان الثقة. تأسيس العلاقة في المثالين يتطلب مجهودا جبارا و متواصلا، لأن هدمها مكلف سياسيا و اقتصاديا؛ هذا ما أكده المفكر الاقتصادي أرو، Arrow (1972)؛ في نقاشه للعلاقة بين العطاء والكفاءة ‘Gifts and Exchange’، حيث أكد إن الكثير من التخلف الاقتصادي في العالم يمكن تفسيره نتيجة انعدام الثقة المتبادلة.

تتعقد العلاقة و تزيح عن مساراتها التنموية عندما يصبح المنتج/المستثمر هو المنتخب/المسؤول الحكومي في علاقة مع المواطن. لتكون بذلك أولى الخطوات نحو تكسير روابط الثقة. يزداد ضعف الثقة أو فقدانها كلما تلمس المواطن ضعف مستوى المعيشة، تدني مستوى الأداء الاقتصادي و الاجتماعي للمؤسسات، غياب لممارسة سياسة اقتصادية شفافة وواضحة، انعدام فرص العمل، تفاوتات كبيرة في كتلة الرواتب والأجور، ارتفاع الأسعار، تدني مستوى الخطاب السياسي، عدم احترام الوساطة الاجتماعية و عدم ممارسة الديموقراطية التشاركية. بصيغة أخرى، يزداد ضعف الثقة أو فقدانها عندما لا يلامس المواطن في الحكومة برامج و خطوات جريئة تعبر عن احتياجاته و صوتا صادقا يتحدث عن وجعه و آلامه. فتخيب آماله، مما تدفعه، في كثير من الأحيان، إلى المقاطعة السياسية (مثلا العزوف السياسي)، المقاطعة الاقتصادية. (مثلا مقاطعة المنتوجات) أو حركات احتجاجية كتعبير مباشر على فقدان الثقة في الإجراءات أو القرارات أو التصريحات الصادرة عن الحكومة. كما ينجم عن ذلك من ظهور فئات تتعاش مع هذه الوضعية، ترسخ البيروقراطية و المحسوبية مشجعة بذلك الإفلات من العقاب وعدم المساءلة والمحاسبة. بدل فتح و تنقية الأجواء لبناء دولة اجتماعية، فإنها بذلك ترسخ الشرخ الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي مزعزعا معه شعور الأمان و الاستقرار لدى المواطن. فقدان الثقة بين المواطن و الحكومة يكسر روابط التعاقد بينهما و يحس المواطن بغياب طرف يحميه و يؤمن له العيش الكريم. عامل الثقة محرك أساسي لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية و تحقيق العدالة الاجتماعية و المحاسبة.
* أستاذة جامعية-باحثة في الاقتصاد القياسي و التحاليل و التوقعات الاقتصادية بجامعة السلطان مولاي سليمان – بني ملال.
عضوة الهيأة التأسيسية لحركة قادمون و قادرون- مغرب المستقبل.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MarocTelegraph

مجانى
عرض