21 نوفمبر, 2018


هل ابْتُلِينَا نحن المغاربة بوزراء يتناوبون على إهانة المواطن

هل ابْتُلِينَا نحن المغاربة بوزراء يتناوبون على إهانة المواطن

خاص: ماروك تلغراف

اليوم فقط تأكدنا أنه لن سيُشُدُّنا الحنين إلى زمان مضى كان فيه المسؤولون الكبار، في الدولة والحكومة، من طينة خاصة :يسْتَحْيُون من أنفسهم ، ويفكروا ألف مرة قبل أن يٌقْدموا على تصرُّف يندمون عليه طول حياتهم. طينة الرجال الذي عرَكَتهم الحياة ، وعلمتهم التجارب الدرس الأساسي والأول في الحياة الذي يحمل عنوان: التواضع من شِيَم العظماء.
السبت دخل التاريخ، وأعاد للمواطن اعتباره، والحدث كان باستقبال سيد أصبحنا مع كل يوم نجله ونقدره وقد أصبح من طينة رجالات الدول الكبار بانجازته غير المسبوقة وبأخلاقه العالية، اليوم استقبل السيد عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للمديرية العامة للامن الوطني ومراقبة التراب الوطني سائق التريبورتور الذي أهانه ضابط شرطة بالدار البيضاء، وقد كان حموشي عاليا في احترامه للمواطن بتقديمه الاعتذار باسمه لهذا الشاب، وهو الحدث الذي رفع فيه رواد التواصل الاجتماعي القبعة عاليا للسيد عبد اللطيف حموشي.
نتذكر في تاريخنا أسماء وازنة، عالمة، عليمة، متبصرة..كانت علاقاتها بالمواطن ـ الشعب لا تقوم على حسابات ضيقة أو واسعة، ولا على احتقار أو استخفاف، بل على الحوار والنصيحة؛ وحتى في لحظات غضب عابرة، كان الانتقاد والتوبيخ ـ إذا جاز التعبير ـ يصدر عن غيرة وليس عن حنق أو حقد.
ربما، سنندم عن تلك اللحظات التي أطلقنا عليها ما شئنا من التسميات والمصطلحات ..لكنها ستظل لحظات جميلة ومفيدة وأنت تسمع أو ترى أو تُجاور واحد من هذه الأسماء الوازنة من العيار الثقيل.
لن نندم اليوم عن تلك اللحظات ونحن نسمع مسؤولين ووزراء يُعَيِّرُوننا ،يشتموننا ،يدوسُون علينا ،يدهسوننا ،يتكرفسون علينا ..يقولون في حق الشعب ـ شعبهم ـ ما لم يقله مالك في الخمر .مسؤولون ،نزلت عليهم المسؤولية بحقائب من الحصانة والملايين والاستكبار ..حتى خُيِّلَ لهم أن الأرض وما ومن فيها طَوْعَ أيديهم وتحت تصرفهم ،وضاقت بهم الأرض بما رَحُبَت ،والسماء بما وسعت ..قاموسهم مملوء بمفردات من قبِيل “ادْهَس باباه”، اطْحَن يمّاه”، إلى جانب تخوين عباد الله وتجريمهم فقط لأنهم قالوا “اللهم إن هذا منكر”.
مسؤولون لا يلجمون أفواههم ،فيتركون العنان لألسنتهم تقذف بكل ما هو دنيء ومُقْرِف ومُقَزّز في حق مواطنيهم؛ومنهم من غرّهم المنصب و”زاد فيهم ضلْعَةً”،فراحوا يستعرضون عضلاتهم على أبناء الشعب الذين ضاقوا ذرعا باستكبار وزراء ومسؤولين،من أسفل السُّلَّم إلى أعلاه وخارجه،تَقَوّى وتقوَّى بدون حد ولا حدود ،لدرجة أنه أصبح يُخَيَّل لهم أنهم هم الذين يمسكون السماء أن تقع ،والأرض أن تخسف ،وأن هؤلاء الناس ـ المواطنين ،مجرد رِعاع ،يمكن التحكّم فيهم وتسييرهم بكل يُسْر وسهولة ،بدون أن يستطيع واحد منهم أن يقول :”آحْ” .
لكن حين تحرَّكَ المواطنون وجهروا برفضهم للاستكبار والاستغفال والاستهتار والاستهزاء والاستعلاء والاستقواء والاستنزاف.. وقالوا “كفى” ،لم يُصدِّق هذا النوع من المسؤولين ، الذين ابْتُلِينَا بهم ،أن يشعر المواطن بمُواطنته ويُعبِّر عنها .أتعرف لماذا ؟ لأنهم كانوا ما زالوا يظنون أننا “في دار غفْلُون”.
مسؤولون لا يستحُون من أي شيء وأي شخص ؛لا يستحُون لا من ملك البلاد ،ولا من القَسَم اليمين الذي أدّوه ،بأغلظ الأيمان ،أمامه وأشهدوا الله والشعب عليه ،وسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا هم السادة وما دونهم مُسَخَّرِين ،مستخدمين .. ومن لم يعجبه الحال “نْطَرْدُ باباه للزنقة ” ،ومن زاد عن حدِّه “ندخلوه للحبس”..
لقد زيَّنَ لهم غرورهم بأن يستغلوا صبر المواطن، ويستغفلوا هدوءه، ويهضموا حقوقه.. وهم يأكلون ويأكلون “طالعِين واكْلِين،هابطين واكلين”؛ويُرَاكِمون الأموال والامتيازات .. ثروة فوق ثروة فوقها طائرات،وعمارات ،ومتاجر “مُولْ”،وشركات ،ومعامل،وأرصدة ،وحسابات لا تنقضي ولا تتوقّف ؛حسابات تئِنّ منها الأرقام الغليظة التي تجرّ وراءها سلسلة طويلة من الأصفار التي تُضخّم العدد وتنفخ فيه ..ولذلك ،ظنُّوا أنهم يتحكّمون في “خبز” الشعب الذي كلما جاع كلما سهُل ترويضه واقتياده .
لم يستطع واحد منهم أن يقول، ولو مع نفسه:”بَزَّاف”.لو قال ذلك لكان من الذين فيهم ذرّة من حياء ؛وحبّة خرذل من المواطنة ؛وقطعة من الإيمان ؛وفوق هذا وذاك يخاف الله .
ابْتُلِينَا بمسؤولين ووزراء يتناوبون على إهانة المواطن ،ولا أحد يُحاسبهم ـ الشكوى لله ـ ولكن حين يطالب المواطن بحقه ، يُتَّهَم في الحال ب”إهانة موظف أثناء مزاولة عمله” .. والبقية تعرفونها.
سنندم ،إنْ لم نكن قد ندمنا ،على عهدٍ مضى كان فيه المسؤول يحشم من نفسه ،ويخاف أن يصدر عنه كلام أو إجراء فيه تجاوز وطغيان . سنندم ، إنْ لم نكن ندمنا ،على الأيام التي كنا نسمع ونرى فيها رجال من الطِّينة المذكورة أعلاه يتحدثون بتواضع ،ويتحمّلون المسؤولية وهم يتحسَّسون أنفسهم مخافة أن يكونوا قد ظلموا أحدا..
فرْقٌ كبير بين مسؤولي الأمس واليوم؛بين مسؤولين كانوا لا يسعون لكراسي الحكومة، وسيارات الحكومة ،وامتيازات الحكومة ،وتقاعد الحكومة ..ومسؤولين يتهافتون ،واللُّعَاب يسيل من أفواههم، على أقلّ منصب وأدنى امتياز وأصغر حقيبة ..وهم يردّدون “قرْصَة من الفكرون بْلاَ ما يَفْلَت”.ومن يكن هذا تفكيره ومنهجه في الحياة ،فانتظر ما شئت من الوقاحة والرداءة والهُزال ….
مسؤُولُو الأمس الذين كانوا يخافون الله ومسؤولو اليوم الذين يخافون زوال الكرسي والمنصب.. إلا من رحم ربك.

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض