14 أغسطس, 2018


حوار ماروك تلغراف.. روثيو روخاس ماركوس: طنجة تمنح الحرية ولهذا وقع في عشقها أدباء العالم

حوار ماروك تلغراف.. روثيو روخاس ماركوس: طنجة تمنح الحرية ولهذا وقع في عشقها أدباء العالم

حوار ماروك تلغراف: حديفة الحجام

في هذا الحوار الاستثنائي الخاص بماروك تلغراف تجيب الكاتبة والباحثة الاسبانية الاستثنائية التي أحبت شمال المغرب وعشقت الاقامة فيه روثيو روخاس ماركوس، عن السؤال الصعب من أهم من أحسن الكتابة عن طنجة المغربية، وتتحدث ايضا عن أسرار طنجة وعلاقات الجوار الاسبانية المغربية…

سؤال. منذ متى بدأت قصة حبك لمدينة طنجة؟

جواب. وكنت أقضي كل العطل منذ سنواتي الأولى في منزل لنا بمدينة طريفة، وبمجرد توجيه نظري إلى الجنوب كنت أرى المدينة. كانت طنجة أفق كل ذكرياتي الصيفية. بعد ذلك بدأت الاهتمام بالتاريخ السياسي للمدينة. على سبيل المثال، رغبت في معرفة السبب وراء عدم خضوعها للحماية الإسبانية. وفي سنة 2004، انتقلت إليها بموجب منحة بحث قدمتها المؤسسة الأندلسية غورديون لاستجواب الإسبانيين ممن كانوا يعيشون في “المستشفى الإسباني بالمدينة (كان وما يزال عبارة عن ملجأ). كنت أتخيل نفسي سألتقي بمجموعة صغيرة من مواطنيّ وصلوا هناك منذ الحماية لبناء مأوى جديد. وكم كانت مفاجأتي كبيرة حينما اكتشفت أن عددهم أكبر مما تخيلت. بالفعل، وعلى امتداد القرن العشرين، وصلت أعدادهم إلى أزيد من خمسمائة ألف شخص. لم أكن أنتظر أن أجد مكانا بتلك الروعة. وسرعان ما بدأت المدينة المفضلة والطائشة والجريئة والتي سيطر عليها بول بولز ثقافيا تأخذ طابعا أكثر أهمية ومنظورا جديدا وحياة لها صبغة إسبانية. هناك بدأت أتيه بحب تاريخ المدينة وأدبها.
س. لا تطل طنجة على البحر المتوسط، غير أنها تشترك مع هذا البحر القديم في أساطير المدن الملحمية. أنت ترين أن هناك أكثر من طنجة واحدة، كم واحدة يا ترى؟ وما هو الشيء الذي سحرك فيها أكثر؟
ج. طنجة مدينة أطلسية ومتوسطية وحياتها، من أي زاوية نقترب منها، تشبه أي مدينة لها ميناء على المتوسط. حقيقة هناك “طنجات” كثيرة، كثيرة كثرة الطنجاويين أنفسهم. المدينة تمنح من الحرية ما يتيح لكل شخص الانتظام بالطريقة التي يراها هو مناسبة. ومن هنا بالضبط أثارتني الجالية الإسبانية.
ما الذي يميز الجالية الإسبانية عن غيرها؟
من خلال العلاقة التي نسجتها مع باقي السكان. في الماضي كانت الجالية الإسبانية الأكثر عددا بعد المغاربة. لكن حدث شيء مهم للغاية وهو أن الإسبان لم يتصرفوا كنخبة استعمارية قط. فاستقرارهم بطنجة، وعلى غرار منطقة الحماية، كان في أغلب الأحيان استقرار اندماج. وحتى أغلب الإسبان ممن عبروا مضيق جبل طارق فعلوا ذلك بحثا عن مستقبل جديد، عن طريقة جديدة في تحقيق ذواتهم والبدء من جديد. كان المغرب أقرب من أمريكا. وفي الحالة الخاصة لطنجة، منحت المدينة هوامش من الحرية أوسع من الرغبة نفسها في العيش في المدينة. كان هذا هدفا في حد ذاته. لم يستقر الإسبان في أحياء أنشئت خصيصا لهم، وإنما شكلوا الجالية الوحيدة التي عاشت منذ البداية في المدينة القديمة. وبهذه الطريقة استطاعوا التأقلم مع الحياة التي كانت موجودة أصلا. ومع توسع طنجة، عاش المغاربة والإسبان جنبا إلى جنب في المناطق الجديدة. وقد ساهمت علاقة المجاورة هذه في جعل الحياة المشتركة تقرّب كلا الجانبين بعضهما إلى بعض.

لا يفصل بيننا إلا أربعة عشر كيلومترا. ما السبب في حالة الغرابة الحادة السائدة؟
انطلاقا من وجهة نظر تاريخية هذه الغرابة ليست حقيقية، فالروابط بين ضفتي مضيق جبل طارق لم تكن كما تظهر عليه من أول نظرة. وكمثال على ذلك استخدام الإسبانية في شمال المغرب، أو التشابه في أمور يومية كطريقة قلي السمك أو صنع بعض الحلويات. التاريخ الوطني يتأسس على الاستغراب من كل ما هو قادم من الجانب الآخر من البحر. هذا هو ما بنينا عليه كل ما هو وطني لدينا. وحتى الدعاية من إسبانيا دائما ما كانت متناقضة. والجملة المشهورة “لا يوجد مسلمون على الشاطئ” (تعني أنه لا توجد مشاكل) أعتقد أنها تلخص كل شيء.
ما السبب في كون كلتا الحقيقتين بعيدتين الواحدة عن الأخرى؟

السبب في ذلك أن علاقتنا بالجار الأقرب لا تكون على ما يرام دائما. لكني في الحقيقة أعتقد أن هذا البعد غير موجود. والحقيقة اليومية هي أن العلاقات الاجتماعية والسياسية بين إسبانيا والمغرب جد طيبة.
ماذا نرى في طنجة والمغرب من ضفتنا نحن؟
أنا لا أعرف ماذا يرى الأخرون ولا السبب في كونهم يرون أشياء غريبة. لكن أنا أرى بلدا شقيقا وصديقا ويجمعنا به تاريخ يمتد لفترات طويلة ومهمة. أنا أرى بلدا له تماسك تاريخي على امتداد قرون طويلة من وجوده.
وماذا نرى في إسبانيا حينما نكون في الضفة المغايرة؟

شيء مشابه، أعتقد. نرى شاطئا يمتد كأنه أفق قريب. انعكاس في المرآة للجانب الآخر من البحر. من على شرفة حائط المدافع (سور المعكازين) في شارع باستور، نرى شاطئا إسبانيا يظهر أشباحنا الكبيرة. النظر إلى إسبانيا من هناك يجعلنا نرى أنفسنا من الخارج، كما فعل خوان غويتيسولو في مؤلفه “مطالبة الكونت خاوليان”.

من تعتقدين أنه أفضل من كتب عن طنجة؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. يستحيل الاختيار بين آنخيل فاسكيث ورامون بوينافينتورا. من جهة، فاسكيث كاتب خارق للعادة. كل جملة يكتبها وكل تفصيل من تفاصيل رواياته هي في الأصل طنجية. هو من أكبر الكتاب الذين أزالوا الهالة الأسطورية عن المدينة من خلال رواياته الثلاث وقصصه القليلة التي ألفها والتي تظهر لنا الحقيقة الملموسة لمدينة خبرها جيدا، حينما كانت طنجة مدينة دولية مفعمة وتعرف حركية كبيرة. غير أنه كان يكتب حين لم تكن المدينة مستقلة بعد وحينما بدأ التقهقر يتضح شيئا فشيئا. كان قادرا على النظر إلى الخلف وتذكر كيف كانت المدينة غنية على كل الأصعدة. حصلت روايته الأولى “الضوء ينير وينطفئ” على جائزة “بلانيتا” سنة 1962؛ أما “حفلة على شرف امرأة واحدة” فبالكاد سمع الناس بها؛ إلا أن روايته الثالثة “الحياة البائسة لخوانيتا ناربوني” فقد غطت عليهما. من جهته، يعتبر رامون بوينافينتورا كاتبا متفردا، فطريقته في وصف طنجة كما عاشها في طفولته ومراهقته تجعل من الذاكرة والحاجة إلى عدم النسيان سلاحا أساسيا في مجال الأدب. وما الروايات الأربعة التي خصصها للمدينة إلا محاولة لعقد نوع من الصلح مع المدينة التي طردته من الجنة. يكتب بوينافينتورا: “طنجة لي ولا أفكر في اقتسامها مع أحد”. إنه بحق راوي طنجة بعدما أصبحت منطقة دولية.
بعد ذلك يأتي غويتيسولو…
كان غويتيسولو يقول إنه يولد كل مرة في أي مدينة يحس فيها بجاذبية خاصة. وعلاقته بطنجة كانت قوية حينما ألف “مطالبة الكونت خوليان”؛ وهي عبارة عن انتقام من ذلك الوطن الأم الذي كان يكرهه، ولهذا كان لشرفته الطنجية حيث أمكنه رؤية الشاطئ الإسباني أهمية كبيرة. طالما استحضر دائما أفق ذلك الوطن، مهد صباه والذي مقته كثيرا فيما بعد. كانت طنجة توفر له الحرية التي احتاجها لانتقامه الأدبي.
لكن أكثر من بلغ شأوا دوليا في التأليف عن طنجة هو بول بولز
وصل الجيل المسمى “بيت” إلى طنجة تجذبه صورة بولز. كانوا يرغبون في معرفة كل الإيجابيات التي تحدث عنها: الحرية الجنسية، غياب أي رقابة، المخدرات… بعضهم قضى هناك زمنا أطول، مثل ويليام بوروز الذي ألف فيها “الغذاء المتكشف”. لكن في الحقيقة بالكاد كانت له علاقة بالمدينة، فقد ظل منعزلا يكتب ويهذي. أما الباقون فقد قضوا فترات قصيرة أو أياما معدودات. المثير حقا هو حالة جاك كوروا. كان يخاف من المشي في الشارع وكان يحس بنوع من استهزاء المغاربة منه ولم يكن يخرج إلا وهو متأبط سلاحه معه. من الغريب أن نرى فتى الأدب الإنجليزي السيء في حينها كيف كان جبانا. شخصيا أحيانا أتساءل إن كانت الأشياء التي كتبها حقيقية، وأن قصص الرجل القوي والمتنمر داخل حدود بلاده كان يحس بالرعب وهو يتجول في شوارع طنجة التي تشبه شوارع باريس.
في رواية “السماء الواقية” يصف بول بولز الفرق بين السائح والمسافر وكيف أن الأول يعلم متى يعود بينما يجهل الثاني حقيقة ذلك. هل لخيال بولز ثقله الكبير على طنجة؟
الفرق الذي يضعه بين السائح والمسافر أساسي لفهم العالم. والفيلم الذي اقتبسه بيرناردو بيتولوشي من روايته غاية في الروعة. شخصيا يعجبني بولز كروائي، أما نظرته الاستشراقية المفرطة فتحوله إلى أمريكي منبهر بتجربته الشخصية. إنها متلازمة “هيمينغواي” التي لم يستطع الإفلات منها. لهذا بالإمكان تصوير رواياته في شنغهاي وبيروت أو هانوا. تكمن أهميته بالنسبة للمدينة في أنه شكّل ذلك المغناطيس الذي جذب باقي الكتاب والفنانين.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MarocTelegraph

مجانى
عرض