الرئيسيةعناوين اليوممجتمع مدني

با عبد القادر.. قيدوم بائعي الجرائد المتجولين بالمغرب

كثير من وجوه في زحام لا يتم إعطاء لها اهتمام رغم أنها لازالت تسدي خدمات منذ عقود من الزمن في عدة مجالات، تتعب من أجل راحة الآخرين، وتعيش ظروفا صعبة أكثر رغم أن شهرتها تعدت الحدود الجغرافية للمناطق التي تقطن فيها. ومن بين هذه الوجوه أشخاص نال منهم الزمن، ومع ذلك لازالوا يقاومونه من أجل البقاء، جعلوا من المهن التي يمارسونها مصدر رزقهم عيشهم ولأبنائهم، وخير نموذج نسوقه هو “با عبد القادر كندبار” قيدوم باعة الجرائد المتجولين بالمغرب، الذي كرس حياته من أجل خدمة قراء الصحف الوطنية بالعاصمة إسماعيلية، من خلال تبليغها إليهم. تراه يتنقل يوميا بين شوارع وأزقة مكناس وهو يحمل بين ذراعيه رزمة من الجرائد إلى حدود اليوم، ويبيعها للزبناء في الإدارات والمقاهي ومرافق الإدارية. أحب با عبد القادر هذه المهنة حتى النخاع وهو لازال صغير السن بعد استقراره بالعاصمة الزيتون مكناس، كان هدفه الوحيد هو إرضاء زبنائه من القراء وخدمتهم، حيث بقي على هذا الوضع دون انقطاع قبل 58 سنة إلى حدود كتابة هذه السطور. اختار مهنة المتاعب من نوع الخاص بائعا متجولا يقطع عشرات كيلوميترات في اليوم داخل المجال الحضري للمدينة سواء في أيام الحر أو المطر. سألنا عن بداية مشواره المهني، فرد بكل عفوية وصدق قائلا:” بدأت هذه المهنة لما كان عمري 16 سنة خلال بداية سنوات الأربعينات من القرن الماضي، وكان المغرب آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي، وقتها كانت القراءة محدودة ومحظورة على المغاربة، مع العلم أن الجرائد كانت قليلة، ومع ذلك كنت أصر على اقتحام المغامرة رغم المخاطر لأبيع الجرائد خاصة في المدينة الجديدة حمرية بمكناس التي كانت يقطنها عدد كبير من المعمرين الفرنسيين، إضافة إلى بيع الجرائد بحي الملاح القديم والجديد حيث كان اليهود يقطنونه، مع العلم أن المسافة بين حمرية والملاح طويلة”. وأضاف با عبد القادر الذي لا زال يحتفظ بذكريات رغم كبر سنه، وهو لا زال يمارس مهنته أنه كان يحمل بين ذراعيه الجرائد التي كانت تلقى إقبالا ورواجا من طرف القراء المغاربة، خاصة بالأحياء الشعبية والمدينة العتيقة معقل الوطنيين، بل كان يصيح بصوت مرتفع بعناوين الجرائد التي كانت عددها قليلا جدا، بل كانت محظورة من طرف الفرنسيين، وكان ثمن النسخة الواحدة لا يتعدى ثلاث ريالات، وصلت فيما بعد إلى خمس ريالات ثم ثمانية ريالات مع بداية الستينات. ومع ذلك كان هناك إقبال على القراءة أكثر من وقتنا الحاضر الذي تعددت فيه العناوين وكثرت فيه الأكشاك والمكتبات، ورغم ذلك لازال يتوفر با عبد القادر على زبنائه خاصة منهم القدماء من بينهم التجار والحرفيين بالمدينة القديمة، حيث لازالوا مواظبين على اقتناء الجريدة المفضلة يوميا من الشخص الذي كان يحملها إليهم إبان العهد الاستعماري. وهذا دليل واضح على حد قول باعبد القادر على مدى التقدير والاحترام المتبادل بينه وبين زبنائه. بالرجوع إلى العمل اليومي، ذكر با عبد القادر كما يحلو لنا أن نسميه، يشرع في أداء مهمته يوميا على الساعة السادسة صباحا إلى الخامسة مساء، قاطعا مسافة طويلة بين مقر سكانه بحي التقدم (برج المشقوق) والمدينة الجديدة، حيث مقر توزيع الصحف، حيث يأخذ حصته المعتادة، قبل أن يستأنف بيع الجرائد بانتظام. ورغم ملامح الشيخوخة التي تدب في أوصال با عبد القادر، إلا أنه لازال يتمتع بحيوية، ولا يعرف الكسل والممل الطريق إليه، غير أن أسوأ ذكرى ما زالت ملتصقة بمخيلته هو فقدان أخيه الذي كان يمتهن الحرفة نفسها، حين دهمته سيارة قبل سنوات وهو يحمل بين ذراعيه الجرائد آنذاك، أحس با عبد القادر بألم وحسرة على فقدان من كان يقتسم معه وإياه الحرفة والخبز. ويعيش با عبد القادر اليوم في ظروف صعبة، حيث ضعف المدخول اليومي، واحد من أبنائه محمد يمتهن الحرفة نفسها بجوار مقهى بحمرية، حتى تظل هذه الحرفة مرتبطة بعائلة كندبار. ويبقى في الأخير با عبد القادر محطة عطف من طرف زبنائه القدامى منهم الذين يتأسفون لحاله، حيث لم يستفد من أي امتياز ورغم تكريمه قبل سنتين، فإنه في حاجة إلى رد له الاعتبا، وإن كانت أمنيته أن يحصل على كشك وسط المدينة الجديدة حمرية بمكناس أو ما يطلق عليها ب”باريس الصغرى” ليجلس بداخله ويبيع الجرائد ينسيه سنوات التعب والمشي على الأقدام دون ملل تذكر الجميع برحلات “كوستو.
* صورة با عبد القادر قيدوم باعة الصحف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى