04 ديسمبر, 2019


حومات الشياطين.. الوجه الآخر ل”الدعارة والنشاط” بطنجة

حومات الشياطين.. الوجه الآخر ل”الدعارة والنشاط” بطنجة

الصيف والليل في طنجة لهما وجهان يتسمان بطبوغرافية ظاهرة وخفية، فالوجه الأول مألوفة وتتميز به المدينة عن غيرها منذ عهد الاستعمار، حين كانت ساكنتها تشتهر بحبها للسهر والجلوس في المقاهي والمطاعم إلى ساعة متأخرة من الليل، دون أن يتخذ الليل عندها مسارا سريا لأنه مرتبط بعادات وتقاليد اكتسبوها من خلال معاشرتهم لأجناس مختلفة تعرف بافتتانها وعشقها للحياة.
وهذا الوجه المشرق، تتحول من خلاله المدينة في فترة الاصطياف إلى فضاءات مكتظة تعيش على وقع سهرات ليلية ترفيهية تنظم في إطار مهرجانات محلية وجهوية أو حفلات تمول من قبل شركات استثمارية وإشهارية، خاصة تلك التي تقام بالشاطئ البلدي، ويحييها فنانون مغاربة ومشاهير يأتون من الشرق والغرب للترفيه عن آلاف من الشباب والمصطافين وزوار المدينة من مختلف الجهات والجنسيات، وخاصة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
أما الوجه الآخر للصيف والليل في طنجة، فهو لا يختلف عن أي ليل في مدن أوروبا الساهرة، حيث تعج وتضج شوارع المدينة بحركة دؤوبة، سيارات تتراكض هنا وهناك، صفقات، صرخات، عاهرات تصادفك في الطريق من كل المستويات والأعمار، كل شيء تتصوره في مخيلتك يمكن أن يصادفك في طنجة بعد منتصف الليل.
فالسهر بالمدينة أصبح قاعدة مثل الاستيقاظ الباكر في البوادي وأعالي الجبال، فزائر المدينة لا يحتاج إلى وقت طويل للإحساس بهذه الظاهرة، فالملاهي الأنيقة الممتد على طول الشاطئ تعلن بأضوائها المبهرة عن مراقصها الليلية المختلفة، وفي الجانب المقابل تنتصب الفنادق الفخمة التي هي بدرها تحوي علب ليلية من صنف آخر، ناهيك عن فيلات وإقامات فاخرة تسهر على تدبيرها وتسييرها وكالات عقارية وسياحية وهمية ووسطاء مختصون في بيع اللحم البشري تحت غطاء مقاولاتي.
في طنجة أصبح الليل لا يتخذ مسارا سريا نظرا لارتباطه بفئة واسعة من الشباب، ونظرا للبنية التحتية الواسعة التي تستوعب الآلاف من النساء المطلقات والمغتصبات والهاربات من جل المدن المغربية، بالإضافة إلى سياسة الانفتاح وارتفاع عدد الأجانب الوافدين والزوار الملتزمين بقضاء عطلة نهاية الأسبوع “الويكاند” بالمدينة.
فحومة “الشياطين”، وهو اسم أطلقه سكان المدينة على شارع مولاي عبد الله، لم تعد وحدها مركزا لممارسة الدعارة وبيع الخمور والمخدرات، بل تحولت الأنظار بـ 180 درجة إلى كورنيش البحر، الذي أصبح يؤدي أدوار مختلفة ومتناقضة في نفس الوقت، فبعد أن تخف به حركة الترجل والجولان وتغادره الأسر بأبنائها وبناتها، ينتصب عدد هائل من “الفيدورات” بعضلاتهم المفتولة ببوابات الملاهي والمراقص المكشوفة على طول الساحل، وكأنهم يتأهبون لحدث خطير وشيك الحدوث، كما تدب حركة النادلين وهم يعيدون تصفيف طاولات الخمور وإعداد ساحات الرقص، حيث تدب الحياة من جديد، بصخب موسيقي متنوع بأنغام عربية وشرقية وغربية، وإضاءة ساطعة يغلب عليها اللون الأحمر والأزرق الداكن، ودخان ازرق يتصاعد في كل الأرجاء ملغوما بشتى أنواع التبغ والكيف المضغوط والسائل.
يقف “الفيدورات” عادة في الباب لانتقاء الزبناء والفتيات، وذلك تنفيذا لأوامر الإدارة التي لها الحق في اختيار زبنائها المحترمين، إذ لا تسمح بدخول اللواتي يتجاوز عمرهن الثلاثين أو الأربعين، مع ضرورة التزامهن بارتداء ملابس قصيرة تكشف عن تضاريس أجسادهن والمقاطع الحساسة مع صرة البطن، وتقتصر مهمتهم فقط على مسامرة الزبناء ومجاراتهم لشرب أكبر عدد من كؤوس الخمر والجعة، أما الجنس فإنه عمل آخر يحتاج إلى صفقة أخرى.
سكينة، في منتصف العقد الثالث من عمرها، شفع لها شعرها الأشقر وعينينها زرقاوين وفستانها الأسود المفتوح فوق الركبة بكثير بالدخول رغم الإجراءات الصارمة المطبقة بخصوص السن، تقول سكينة “نحن هنا من أجل لقمة العيش، فمعظمنا لم يعرف الرذيلة إلى أن وطئت أقدامنا هذه الأرض السعيدة، ولكن ما العمل والواحدة منا لم يكن دخلها الشهري يتعدى ألفين درهم، بينما يتجاوز الآن 10 آلاف درهم في المتوسط بدون أن نقوم بأعمال شاقة مضنية، فكل ما علينا هو الحديث والمسامرة ثم فترة قصيرة من الوقت نقضيها مع زبون في الفراش.
أما نزهة فلا مشاكل لها مع “الفيدورات” لأنها تبلغ من العمر 24 سنة وتتوفر فيها جميع الشروط المطلوبة، الابتسامة الساحرة والبشرة الصافية البيضاء والقوام الرشيق، ولا تستعمل الولاعة في إشعال سجائرها لأنها تولع الواحدة من الأخرى، وعندما تسألها إن كانت تمارس الدعارة تجيب “إنني لا أدعو ذلك دعارة، لأنني اضطرت إلى اللجوء لهذه الحرفة مرغمة وتحت إكراهات لا يمكن مقاومتها.”
مثل هذه المشاهد والصور، التي تروم تحقيق رغبات بيولوجية وحريات هامشية ومزاعم سياحية، أضحت روتينية ولها خصوصية سلبية، فرغم تصاعد شكاوي المواطنين وتذمرهم من انتشار هذه الظاهرة وتمددها للأماكن العامة، ورغم القرارات المحتشمة التي تقوم بها السلطات المحلية والحملات الأمنية التي في الغالب يلقى مرتكبوها العقاب، تظل مدينة طنجة تائهة بين وجوهها المتناقضة.

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض