الرئيسيةجحيم تندوف

بعد ربع قرن في جحيم تندوف..هكذا جاء الفرج “الحلقة الأخيرة”

ذات جمعة رمضانية مباركة كنت أعد الحساء لرفاقي الصائمين، صادفت الجمعة يوم الرابع من ديسمبر سنة ألفين، جاءني أحد عناصر البوليساريو مسرعا وطلب مني الخروج.أسرعت الخطى وخرجت.وجدت حوالي خمسين أسيرا واقفين.طلب منا أن نأخذ الملابس التي أعطانا إياها الصليب الأحمر الدولي ونخرج إلى الساحة.رأيت عددا من قدماء السجناء.أحسست أن في الأمر شيئا غير عادي.وأنا أفكر في كل شيء دفعة واحدة، انتشلني الشيخ ولد عينة من هواجسي بكلمة مازالت تتردد داخلي “ادريس على سلامتك”..منذ ربع قرن قبل تلك اللحظة لم أكن قد سمعت مثلها، وكيف أعرف معنى للسلامة وأنا في خطر مقيم ومواجهة مع الموت في كل ثانية من حياتي؟
طلبوا منا الصعود إلى شاحنة من دون حراسة.صعدنا وجلسنا متوجسين.نظرت إلى رفيقي سعيد وبدأت أقرأ من القرآن “إنا فتحنا لك فتحا مبينا…”. حملتنا الشاحنة إلى مركز “الشهيد عمي”.هناك رأيت عددا من السجناء القدامى.الانتظار لذيذ وقاس.العيون تتحدث بلغة كلها استفهامات.ننتظر..ننتظر.
جاءنا مدير المركز بيريك رفقة محمد ولد عكيك.وقفنا ونحن ننظر ونخمن.وانطلقت من فم السجان كلمات بثقل الزمن كله: بشرى لكم أنتم الآن أحرار مفرج عنكم، الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي طلبكم في لائحة اسرحوا حيثما شئتم ولا تقتربوا من جنينة صغيرة في مركز النخيلة.كي لا نلتقي السجناء الآخرين فنخبرهم.
جننا فرحا تلك الليلة وسرحنا في الصحراء كيلومترات عديدة وبأيدينا أواني إعداد الشاي.

هل الصباح، وأي صباح؟ صباح ولادة جديدة، صباح المعجزة.أهلا بالصباح. أهلا بنسيم بلادي.حلت لجنة من الصليب الأحمر الدولي.أصبحنا في عهدة الأمم المتحدة.دبحوا لنا شياها اتوا بها من الجزائر ووضعوا رهن إشارتنا دشات متحركة للاستحمام.

بعد أسبوع جاءنا أفراد المخابرات الجزائرية ليسألوننا.لم أشعر كيف انبريت وانطلقت في حديث مباشر: بما أنكم تقولون إنه ليست للجزائر علاقة بقضية الصحراء فلم تسألوننا عن أصلنا وفصلنا وإلى أين نحن ذاهبون؟ ربع قرن وأنا هنا كل ما أعرفه أني مغربي وربما لم يعد لي أهل هناك وقد أقطن في طنجة أو الكويرة أو في اية مدينة اشاء، قد تكون المحبس القريب منكم.لم لم تسألوني طيلة خمس وعشرين سنة من التعذيب عن أحوالي؟ لم تخفون كفركم؟ ولم تسألونني الآن؟ ماذا تركتم فينا بعد أن أفنيتم أعمارنا في الاستعباد؟ اتركونا وشأننا،خلوا بيننا و “شعب الصحراء”..شعب الريح ولا عليكم.
ألقمنا المخابرات حجرا وتوجهنا إلى رئيس الصليب الأحمر الدولي.طلبنا منه أن يصرفهم عنا وسألناه إن كنا في عهدة الأمم المتحدة أم تحت إمرة الجزائريين.طلب من مدير السجن أن يبتعدوا عنا فورا وتحدث أيضا إلى بوخروفة رئيس الهلال الأحمر الجزائري في الموضوع.
تركناهم وانطلقنا في الصحراء مسافات بعيدة.اشتقنا للحرية، نمشي بعيدا بعيدا.نتوه. ونسينا حتى وقت الإفطار.
أتصلت بنا مصالح الصليب الأحمر الدولي وشرحوا لنا القانون الدولي، وإن كنا نريد التوجه إلى أي مكان آخر.قلنا لهم ضحينا من أجل المغرب وإنا إن شاء الله إلى الوطن لراجعون.
بدأنا ننتظر ترحيلنا إلى تندوف.تخلصنا من أي شيء مهما كان تافها قد يذكرنا برائحة المخيمات.بدأت وسائل الإعلام تتقاطر علينا من كل مكان.كل من سألنا من الصحافيين نخنقه بسؤال مرير: اين كنتم كل هذه السنين لما كانت الكرابيج تأكل ظهورنا؟ مراسل ال “إم بي سي” أراد التحدث إلى صديقنا “الباد “، فتركه بلا مبالاة واضحة وذهب ليصلي.
تقدمت مني صحافية من جريدة “الشعب” الجزائرية. قلت لها إن صحيفتكم تعادي المغرب. ولولا رمضان الكريم وحرمة الصيام لأسمعتها ما لايرضي.سألتني عن شعوري تجاه الشعب الصحراوي وأنا أعانق الحرية؟ قلت لها إن الله تعالى هو من أفرج عنا ولا أحد غيره،وأضفت: انظري إلى هذا اليوم الجميل،حتى الزوابع الرملية هدأت.

أرادت مني بأسئلة ملتوية أن أشكر الجزائر أو البوليساريو.قلت لها الفضل لله وليس للجزائر أو “بيزات”.سألتني عن معنى بيزات.اقترحت عليها أن تستعمل المعجم لفهم المفردة.لم تفهم وظلت تحملق في وجهي.بسطت لها الأمر: إنهم أذنابكم. فهمت وقالت: تقصد “البوليساريو”؟ أجبت: برافو عليك، ها قد فهمت. واسترسلت: قولي لحكومة بلادك إن المغرب سيبقى قويا وإننا أهل سلام وقد دخلنا الصحراء بناة ولسنا بمنتقمين، وطلبت منها ان تزور الصحراء وتقف على الحقيقة العارية.جادلتني أنهم معتقلون لدى المغرب، فسألتها إن كان السجناء يعيشون في الفلل ويدرسون في الجامعات؟ ثم سألتها إن كانت تجرؤ على نشر كلامي؟ وطلبت منها، سواء كانت صحافية أو عضوا في مخابرات بلادها، أن تلاحظ أن قناعاتنا لم تتزعزع رغم ويلات السجون وسنينه الطويلة.الطويلة جدا.
امتطينا طائرة “الإيرباص” تجاه أكادير. وكانت تحلق في سماء تندوف على علو منخفض، كان إلى جانبي رفيقي ابراهيم الملقب بريهمات.نظرت إلى الأرض فرأيت إثني عشرة منصة لإطلاق الصواريخ موجهة نحو المغرب العزيز، في كل منصة أربعة رؤوس.ارتفعت الطائرة في السماء فضعفت تفاصيل الأرض في بصري، وبقيت في الذاكرة تفاصيل ما ورد في هذا الكتاب كاملة واضحة.
تركت خلفي ربع قرن من السجن المرير، وذكريات أمر، وعالما بلا معنى، و”جمهورية” من وهم وسراب ورياح وعبث.
وصلنا إلى أكادير.
نزلت.
على أرضية المطار سجدت لله الواحد الأحد، رب المستضعفين، قاهر الجبابرة والمستكبرين.

انتهى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى