20 أكتوبر, 2019


الأديبة والكاتبة اللبنانية نورا مرعي في حوار حصري لماروك تلغراف

الأديبة والكاتبة اللبنانية نورا مرعي في حوار حصري لماروك تلغراف

ضيفة ماروك تلغراف لهذا الأسبوع هي الكاتبة والروائية اللبنانية المتميزة نورا مرعي، خصت جريدتنا بهذا الحوار الشيق حول كتابتها ، وحول الكتابة النسائية عامة.

1-بداية هل لك أن تعرّفي الجمهور المغربي بالأديبة والإنسانة نورا مرعي؟

ولدت في حارة صيدا، في 2 تشرين الأول من العام 1984، وترعرعت بين أحضان الطبيعة والكتب، كانت مكتبتي تكبر يومًا بعد يوم، وتزداد أهمية كلما اشتريت كتابًا وأغنيتها بأنواع عديدة، قرأت منذ الصّغر جبران خليل جبران ومصطفى لطفي المنفلوطي ومي زيادة واميلي نصر الله، وأدمنت قصة البؤساء لهيجو وعالم صوفي وأعدت قراءتهما غير مرة، تنقلت بين مدارس عديدة فمن راهبات عبرا إلى تكميلية البنات الرّسمية إلى ثانوية البنات الرّسمية إذ بانت في تلك المرحلة موهبتي في الكتابة، وبدأت بأولى محاولاتي التي بقيت مجرد كتابات مبثوثة في دفتر عتيق أحتفظ به إلى يومنا هذا. عرف الشّعر طريقه إليّ بشكل رسمي منذ أن بدأت أتخصص بالأدب العربي وأقرأ لشعراء كثر أمثال عنترة بن شدّاد والمتنبي وجميل بن معمر وابن زيدون وصولاً إلى نزار قباني وبدر شاكر السّيّاب ومحمود درويش. وأشعر أنه كلما قرأت أكثر زادت معرفتي. أخذت أعمل على صقل موهبتي وتقويتها إلى أن وصلت إلى إدمان الكتابة وصار القلم جزءًا من حياتي لا أستطيع الاستغناء عنه.

من خلف تلك الأنوار نشأت، وفطمت على حبّ القراءة، مرّت أعوام وأعوام، وما زلت أنشأ بين الكتب وأفتّق سكون المكان بحروف قوية المعاني، جزلة الألفاظ، فهدتني الحياة المعرفة وأهديتها وقتي، ولا أدّعي أنني أفضل الخلق في القراءة ولكنني أحافظ على نبل عاداتي، وتوخزني تلك العبارات الّتي حفرت في الذّاكرة عمقًا، وتنتفض دائمًا فوق أوراقي لطيفة وخفيفة، فتهديني إشارات الكتابة الأولية، وعلامات رمزية تلامس ريشتي وحبري، فتنتفض أوراقي بزفير الألفاظ، ويغزو عقلي صرير قلم، وأملأ المكان كتابة وحروفًا فاقت ما أرجوه. لذا، صدر لي ديوان شظايا من الذّاكرة ونفحات أنثى وسلسلة تغريدات عشقية ورواية هذا هو قدري. أمارس حاليًا مهنة التّدريس والتّدقيق اللّغوي ووصلت إلى آخر مراحل دراستي للحصول على الدّكتوراه.

2-إن المتتبع لمسارك الفكري يجد أنك تزاوجين بين الشعر والنقد والرواية، لماذا الجمع بين كل هذه الأجناس؟ وأين تجدين نفسك أكثر؟

بالنّسبة إلى الشعر هو أسلوب في التعبير عما يختلج ذواتنا، وهو فن خاص له مميزاته وخصائصه، وهو ليس مجرد كلمات مصفوفة، إنما هو جزء من روحنا متى أردنا أخرجنا همومنا على صفحات بيضاء، ومتى أردنا عبّرنا عما نمرّ به في الحياة، وهو أيضًا موهبة منحنا إيّاها الله وعملت على صقلها بينما الرواية تختلف تمامًا عن الشّعر إذ تستطيع أن تأخذ موضوعا موحّدًا فيها وتكتب فيه وتعبّر بلا نهاية عنه، من دون أن تتوقف حتى تشعر بأن موضوعك قد أخذ حقّه بالكلام وأنّك أوصلت الفكرة التي تريدها إلى الآخرين. وما بين الشعر والرواية أرى نفسي إذ لا أحبّ نوعًا أكثر من الآخر بل كلاهما شكّلا جزءًا مني وأعرف كيف أعبّر عمّا أريده بهما، فمحاولتي الأولى في رواية ” هذا هو قدري” قد لاقت نجاحًا جميلاً، وها أنا الآن أحضّر لروايتي الثانية وأتمنى أن تنال النّجاح أيضًا. فيما يخصّ موضوع النّقد، فهو له علاقة بدراستي الأكاديمية الجامعية، فالدّراسة تعلّمنا مجالات عديدة وتطلب منّا دخولها ومنها موضوع النّقد الّذي آثرت أن أقوم بنقد لكتاب رئيف خوري ” وهل يخفى القمر” ولله الحمد كان جيّدًا إذ نشر في مجلتين أدبيتين آخرها مجلة الطّريق.

3-أنت تحضرين لمناقشة أطروحة دكتوراة وفي نفس الوقت آنت معلمة، كما ا نلك مسؤولية أسرية ، أين تجدين لنفسك أوقاتا للإبداع، ثم ألا تشكل بالنسبة إليك هذه المسارات عائقا في البوح والإبداع؟

لقد منحني الله نشاطًا غير عادي، ومكّنني من تحمّل غير عمل في وقت واحد، كما جعلني أمتلك مهارات تنظيمية عالية دفعتني إلى أن أتوفّق ما بين تحضير أطروحة الدّكتوراه التي أنهيت كتابتها منذ مدة، بالإضافة إلى عملي كمعلمة وكمدققة لغوية، بينما مسؤولياتي الأسرية فأنا أمارسها بكل محبة وإخلاص من دون أي معاناة وبالتّأكيد المساعدة الأسرية موجودة ما سهّل عليّ العديد من الأمور.

أعتقد ان لحظة الإبداع تولد من رحم الحياة، فهي لا وقت لها ولا مكان، ولكن معظم من يتابعونني يدركون أنني أكتب صباحًا، لأنّ ذلك الوقت يمنحني السّكينة والهدوء وأشعر فيه أن نفسي تلج عوالم أخرى، تطير ما بين السّحاب وتعانق أقواس القزح وترتشف من عيون الأزهار رحيق الكتابة وتمتلك أخصب اللحظات وأكثرها اندفاعًا كي أرتمي ما بين فنجان قهوتي وقلمي وورقتي.

4-تشتغلين على تيمات الحب والرومانسية والرمز في مختلف أشعارك سواء في ” نفحات أنثى” أو في‘‘ شظايا من الذّاكرة‘‘؟ كما أنك تمتحين من مدرسة التحليل النفسي في النقد من خلال نقدك لكتاب “وهل يخفى القمر” لرئيف خوري، هل مرد ذلك إلى طبيعة شخصية ‘‘نورا‘‘ العاطفية أم أن ذلك اختيار فني أدبي لا غير؟

الكتابة عندي ومضة فكرية، ورؤية خاصة تولد في لحظة انسجام ما بين ذاتي والكون الخارجي، وذاتي عاشقة للرّومانسية، هائمة في حبّ الوجود وكل ما فيه، كما أنّها شخصية رومانسية عالية طاغية على كل حرف أكتبه وعلى كل قصيدة أصوغها وعلى كل قاموس أغترف منه كلمات العشق والهيام. لم أكن منذ أن أمسكت القلم ببعيدة عن لوعات الحب وهمسات القلب وصوت الأنا يزغرّد بأبهى كلمات الهوى، ولم أكن أستطيع أن أترك كل ما أسمعه من أحاديث اللوعة ما بين المحبّين وعذابات البعاد والفراق جانبًا، لذا ارتأيت لنفسي أن أكتب بهذا الحبر، وأن أدلق قارورة العشق فوق أوراقي النّاصعة لأكون امرأة رومانسية وحالمة وعاشقة، أطير في هذا العالم كمثل الفراشة وآخذ رحيق كلماتي من أزهار الحبّ والمحبّين.

5-كيف تجدين الكتابة النسائية بالوطن العربي، وهل أنت راضية عنها؟ وكيف تقيمين الكتابة النسائية بالمغرب؟

لقد تحررت المرأة في هذا الزّمان، وصار لها وجودها وصرنا نسمع بالأدب النّسائي، وقد فتحت قلبها وعبّرت عن أحاسيسها وعذاباتها وآلامها وحبّها بعدما كان صوتها مخفيًا، أو حرامًا وكأنّ المرأة خلقت للتغزل بها فقط لا أن يكون لها كيانها الخاص لتكتب عنه ما لم يتمكّن برأيي أي رجل من التعبير عنه. بالإضافة إلى أننا صرنا نلتقي بأديبات عديدات وشاعرات وكاتبات قصة لهن مكانتهن في المجتمع العربي عمومًا واللّبناني خصوصًا. وبالتأكيد هذا الأمر يجعلني أشعر بالرّضا وبالفخر لما وصلنا إليه. ولكن في الوقت نفسه، ما زال هناك أديبات لم يصلن إلى ما أردنه وفقًا لبعض المجتمعات الّتي ما زال لديها تحفّظاتها حول ظهور النّساء على المنابر، أو وصولها إلى مرتبة موازية للرّجل. بالنّسبة إلى الكتابة النّسائية بالمغرب لقد اطّلعت اطّلاعًا خجولاً عليه نظرًا إلى قلة معارفي النّسائية في هذا العالم.

6-لا يجادل أحد في كون العالم العربي يعاني أزمة قراءة ، كيف تستطيعين أنت ككاتبة إيصال إبداعاتك وضمان قراءتها من طرف نزر غير يسير من القراء؟

مشكلة قلة القراءة مشكلة تضرب عالمنا العربي، فقد صار المواطن والتّلميذ والأم والأب والجميع يجلسون أمام شاشات الأيبيد أو الكومبيوتر أو الهواتف الذّكية، بحجة الملل المصاحب للقراءة، ولكن الأمر بالنّسبة إليّ يختلف تمامًا، فما زلت أعدّ الكتاب معينًا أغترف منه كل ما أريده من علمٍ ومعرفة ومفاهيم…، وقد كتبت منذ فترة بهذا الموضوع مقالاً بدايته:

” خفقت رايات الكتب منذ الصّغر فوق حياتي، وارتبطت بأغلفة كثيرة، وأخذت قضية القراءة عندي موقعها الخاص، كنت أسمع في بداية حياتي صوت جدتي الصّادح بحكايات مخيفة حينًا، وجميلة حينًا آخر. وبقيت طيلة حياتي متأثرة بها، أمّا جدّي فقد عمد إلى تزويدي بكتب كثيرة كعالم صوفي، وحول العالم في ثمانين يومًا وغيرها الكثير… وكنت عندما أقرأ أتخيّل الشّخصيات ويتغلغل إلى ثنايا روحي أسئلة جوهرية مضنية، واستنشق عبير الإجابة من خلال البحث والاستكشاف”.

وكم أتمنى لو يعود الكتاب إلى مكانته القديمة، وأن يعود النّاس إلى ما يقدّم لهم المنفعة والفائدة، ولي محاولات عديدة بإقناع مَن حولي بضرورة القراءة خصوصًا أن لعالمي الشّعر والرّواية جماليتهما الخاصة، فكم هو مميز أن نتعلّم من غيرنا ومن قصصهم سواء العشقية أو الاجتماعية أو الفلسفية!

وأنا ككاتبة تعمّدت منذ أن بدأت الكتابة إلى نشر مقتطفات من كتاباتي ومن شعري كي أقنع الآخرين بقراءة إصداراتي وكأنني ألعب على الوتر الحسّاس وأتعمّد تنزيل أجمل ما صاغه قلمي، وقد حصل العديدون من معارفي على إصداراتي بعدما اطّلعوا على ما أكتبه.

7-‘‘المعاناة تولد الإبداع ‘‘، لكن بالنسبة إليك يمكن القول إن ‘‘الحب يولد الإبداع‘‘ هل تشاطريني هذه الفكرة، ومتى كانت أولى كتاباتك الشعرية، وهل كانت بالفعل انتصارا للحب؟

الحبّ يولّد الإبداع، والحب سكرة مختمرة في قلبي وعقلي معًا، وهو المبالغة الوحيدية الّتي أقتنع بها في الحياة إذ لا يمكننا مفارقتها أبدًا.

الحب هو أن ينبض القلب نبضات خفيفة فيطرق على باب الورقة بضع طرقات قوية لينتفض ويثور معانقًا رحاب بياض ورقة، ويملئها بكلمات الشّوق والحنين. وإن كان للحبّ تلك اللّوعة وذلك النّبض، فكيف لا أعانقه وآخذ منه كلماتي، وكيف لا أرتديه عقدًا يلامس عنق قلمي، وكيف لا أعقد معه هدنة كي يرفضها ويبقى لواؤه عاليًا فوق حياتي.

بالفعل للحبّ مكانته الخاصة في قلبي، وهو موطن إبداعاتي، وروحي وهو المتحدّث الأول في كتاباتي وسبب غزارتها أيضًا. لذا كانت أولى محاولاتي الشّعرية في فترة المراهقة عندما اكتشفت أنني أمتلك خيالاً خصبًا وكتابة جميلة عبّرت عنها رفيقاتي، وكنت كمثل فراشة أجوب من صفحة إلى أخرى وأكتب باسمهن حينًا وباسم الحبّ أحيانًا، ولكن تلك المحاولات بقيت مجرد كتابات على دفتري الأدبين بعضها احتفظت به وبعضها فقدته مثلما نفقد الكثير من ذكرياتنا القديمة.

8-ما موقف الأستاذة نورا من الصراعات السياسية والطائفية التي تطفو بين الفينة والأخرى في لبنان، ولماذا لا تشكل حيزا من أشعارك؟

من قال إن ما جرى في لبنان لم يأخذ حيزًا في كتاباتي، بالعكس تمامًا كل ما تعرّض له وطني من مصائب وغضّات طائفية عبّرت عنها بكتابات عديدة نشرت لي في مواقع الكترونية عديدة. فأنا ابنة هذا الوطن ولا يمكنني أن أعيش بعيدًا منه أو مما يتعرّض له، فقلبي ينبض بحبّه، وقلمي يحمل رايته، ولكن يبقى ما كتبته بحقّ وطني قليلاً أمام ما كتبته للحبّ والبعد والشّوق.

9-فزت مؤخرا بالمرتبة الأولى على مستوى العالم العربي ضمن مسابقة‘‘ سنبصم فكرا‘‘ وذلك بمشاركة مميزة بمقال حول‘‘تطوير البرامج التعليمية ‘‘، ماذا يعني لك هذا الفوز؟

لقد جعلني هذا الفوز أحقّق جزءًا من أحلامي المتواضعة الّتي عاهدت نفسي منذ الصّغر على تحقيقها، هذا الفوز يعني لي الكثير فهو جعلني أقتنع أكثر بأهمية ما أعرفه وما أكتب عنه، حتّى لو كان الأمر على الصّعيد الأكاديمي فأنا معلمة قبل أن أكون أديبة، وتجاربي المهنية العديدة غيّرت من بعض الأفكار الّتي تعلمتها في فترة الإجازة الجامعية. ولا أخفي على أحد أنّ مشاركتي في هذه المسابقة كانت فجائية كما النّتيجة أيضًا، وربما يعود الأمر إلى أنني لم أرفع سقف توقّعاتي عاليًا، فكانت النّتيجة عالية ما أفرح قلبي وأثلجه.

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض