23 فبراير, 2020


التسامح صفر

التسامح صفر

لم يكن عمدة نيويورك في أواخر تسعينات القرن الماضي ليفرض خطته للقضاء على الجريمة والمستندة على قاعدة “التسامح صفر” إلا بعد أن جرب مختلف الاستراتيجيات والخطط والمخططات الأمنية لكن بدون فائدة. لقد صارت اليوم خطة عمدة نيويورك تدرس في أكبر معاهد وأكاديمات الشرطة عبر العالم، ليس لأنها نجحت في تخفيض معدلات الجريمة في المدينة الأكبر في الولايات المتحدة الأمريكية، بل لأن الخطة تعتمد في أساسها على عدم التسامح في تطبيق القانون حتى بالنسبة إلى ما لا يرقى إلى مستوى الجريمة أو المخالفة.

اليوم وبعد مرور أكثر من عقدين على تطبيق الخطة الأمنية لعمدة نيويورك في هذه المدينة، استقر معدل انخفاض الجريمة في 15 في المائة ولم يتجاوزه، والسبب أن “التسامح صفر” اهتم منفذوا القانون في تطبيقه بصغائر الجرائم والمخالفات ولم يركزوا على ما يتسبب في قتل الأبرياء والسطو على البنوك وتلك الجرائم الشاذة التي تهز أحياء بكاملها في نيويورك.

صحيح أن خطة “التسامح صفر” تدرس عندنا في المعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة وذلك منذ سنوات لكن لا يمكن تطبيقها في بلدنا لأن مجتمعنا يختلف في تركيبته وعاداته ومعاملاته عن المجتمع الأمريكي وعن باقي المجتمعات، فالتسامح عندنا يعني لنا الكثير، أو كما يقال “العفو عند المقدرة”.

وقد يبادرك أحد الظرفاء بالقول إن العفو أو التسامح هو السبب في تزايد عدد الجرائم وانتشارها في مدننا، إذ لو عوقب كل مرتكب مخالفة حتى ولو كانت كما نقول “من الصغائر” فلن يتجرأ غيره على المخاطرة بتقليده أو ارتكاب نظير ما ارتكب، إذ مثلا في أمريكا حين طبقت خطة “التسامح صفر” كان لا يتم التسامح مع من “يبصق” في الحافلة، إذ يحكم عليه بأداء غرامة في حينه أو يحال على القضاء لتطبق عليه عقوبة من تلك العقوبات البديلة للغرامة مثل التجول يوميا في أوقات محددة ب”يافطات” مكتوب عليها عبارات من قبيل “أنا مذنب أطلب الاعتذار والعفو…”، وبهذا لا يعاود ارتكاب مثل هذه المخالفات ويكون عبرة لغيره.

حين يصل الفعل الإجرامي إلى التباهي مثل ما أصبح يعرف عندنا بظاهرة “التشرميل”، فإن الأمر أضحى يتطلب وقفات ودراسات. صحيح أن هناك مجهودات أمنية رغم محدودية العنصر البشري، إلا أن المطلوب انخراط الجميع بما في ذلك تمثيليات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية وممثلي سكان الأحياء الهامشية للتوعية بأخطار الجنوح والجريمة والتصدي لما أصبح يعرف ب”مدارس تفريخ” المجرمين. ففي ألمانيا مثلا يساهم المواطن في التبليغ عن أي تحركات لمشبوهين ويصل إلى الأجهزة الأمنية الألمانية الآلاف من الوشايات كل يوم لكن عددا منها يقود إلى اعتقال مجرمين خطيرين ومبحوث عنهم وإرهابيين… وبالتالي لا يمكن التصدي للجريمة في بلدنا إلا بالتفاعل الإيجابي مع كل المبادرات والتشارك مع الأمن في محاربة الجريمة بالموازاة مع تأهيل المناطق الهامشية ومحاربة الهدر المدرسي وإيجاد عقوبات بديلة لسجن القاصرين.

لنا أن نحلم بيوم يمكن فيه للمواطن أن يتجول في أحياء توصف ب”النقط السوداء” دون أن يتعرض للاعتداء أو السرقة وهذا ما يسمى في علم سوسيولوجيا الإجرام ب”الإحساس بالأمن” دون تطبيق نظام أمريكي أسماه أصحابه قاعدة “التسامح صفر”.

مقالات ذات صله

MarocTelegraph

مجانى
عرض